شوقي ضيف

204

المدارس النحوية

على هذا التفسير بقوله : « وإن شئت جعلت الآن أصلها من قولك : آن لك أن تفعل ، أدخلت عليها الألف واللام ثم تركتها على مذهب فعل ( أي على أصلها الفعلي ) فأتاها النصب من نصب فعل ، وهو وجه جيد » « 1 » . وكان يذهب إلى أن أصل « الذي » ذا المشار بها وكذلك أصل « التي » تى المشار بها . « 2 » ومر بنا في ترجمة الخليل توجيهه لمنع الصرف في أشياء وأنه حدث فيها قلب أتاح لها منع الصرف ، إذ وزنها لفعاء لا أفعال كما قد يتبادر ، وذهب بعض النحويين إلى أن جمعها أفعال غير أنها أشبهت فعلاء مثل حمراء فمنعوها من الصرف توهما ، وذهب الفراء إلى أنها جمعت على أفعلاء مثل بيّن وأبيناء ، فأصبحت أشيئاء ، وحذفت الهمزة من وسطها لكثرتها في الاستعمال ، فأصبحت أشياء « 3 » . ومن آرائه الطريفة أن أصل « بلى » التي يجاب بها في النفي في مثل أليس معك الكتاب ؟ فيقال بلى للدلالة على الرجوع عن النفي ، يقول : أصلها بل العاطفة في مثل ما قام زيد بل عمرو ، إذ بل تدل في هذا التعبير على الرجوع عن النفي ، بالضبط مثل بلى في جواب الاستفهام عن النفي ، وكل ما في الأمر أنهم رادوا عليها ألفا حتى تصلح للوقوف عليها « 4 » . ومر بنا في ترجمة الكسائي تفسيره لإلا الاستثنائية . وعلى هذه الشاكلة كان الفراء - يحاول بكل جهده - أن يضع تفسيرا جديدا لبعض الكلمات والأدوات كما كان يحاول جاهدا أيضا أن يضع في النحو مصطلحات جديدة ، مستعينا في ذلك كله بعقله المتفلسف الخصب . وما زال يلحّ في ذلك حتى استطاع حقّا أن يكوّن للكوفة مدرسة مستقلة في النحو ، لا كل الاستقلال ، فهي لا تزال تعتمد على ما وضعت البصرة من أسس ، ولكنها في الوقت نفسه تحاول التميز والتفرد وأن تكون لها شخصيتها المستقلة ، وقد أتيح لها ذلك على يد الفراء لا من حيث ما قدمنا من تحليل بعض الأدوات والكلمات وجلب مصطلحات مبتكرة فحسب ، بل أيضا من حيث النفوذ إلى

--> ( 1 ) معاني القرآن 1 / 467 وما بعدها . ( 2 ) الهمع 1 / 82 . ( 3 ) معاني القرآن 1 / 321 . ( 4 ) معاني القرآن 1 / 53 .